شبكة قدس الإخبارية

 ثلاثة ملايين وثيقة تكشف: إبستين والموساد وترامب وشبكة نفوذ دولية تحت المجهر

67tgy-1757402145

واشنطن - شبكة قُدس: نشرت وزارة العدل الأميركية، أكثر من ثلاثة ملايين صفحة إضافية من الوثائق المرتبطة بقضية "جيفري إبستين"، موضحة أن الدفعة الجديدة من الوثائق تضمّ أكثر من 2000 مقطع فيديو ونحو 180 ألف صورة، جمعت من خمسة مصادر رئيسية أعادت أسماء مهمة إلى الواجهة من جديد، في الوقت الذي حاولت فيه إدارة دونالد ترامب إغلاق القضية وعدم نشر الوثائق.

وفي الوقت الذي تم فيه حجب أسماء وصور بعض الشخصيات إلا أن أسماء الشخصيات العامة والسياسيين لم تحجب في الملفات المنشورة، ونوهت وزارة العدل الأمريكية في بيان، إلى أن بعض الادعاءات في الوثائق قد تكون غير صحيحة.

وحسب الوثائق، التي تكشف أسماء شخصيات بارزة مثل ترامب وغيره، فإنها تثير جدلاً واسعاً حول تورط الرئيس الأمريكي الحالي المحتمل في جرائم جنسية تتعلق بقاصرين، وهي الملفات التي تم إخفاء أسماء الضحايا فيها والصور التي تحتوي على مشاهد إباحية.

يَرِدُ اسمُ الرئيس دونالد ترامب أكثر من ألف مرة في الثلاثة ملايين وثيقة المنشورة في قضية جيفري إبستين؛ وبينما تبدو بعض الإشارات عادية، تتضمن أخرى ادعاءات اعتداء جنسي غير موثّقة كُشف عنها حديثًا ضد ترامب، إضافة إلى تفاصيل جديدة حول كيفية وصف بعض ضحايا إبستين لتفاعلاتهم مع الرئيس المستقبلي آنذاك.

والأبرز أن الوثائق التي أُفرج عنها حديثًا تحتوي على قائمة بادعاءات اعتداء ضد ترامب جمعها مسؤولون في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) العام الماضي. كما تتضمن مذكرات عن امرأة اتهمت ترامب في دعوى قضائية باغتصابها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، إضافة إلى مقابلة أجراها الـFBI مع إحدى ضحايا إبستين قالت فيها إن غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين، «قدّمتها» لترامب في إحدى الحفلات.

وأشعلت الوثائق الجدل مجددا بشأن صلات إبستين بجهاز "الموساد" الإسرائيلي، وادعى أحد المصادر السرية للوثائق، أن أستاذ القانون في جامعة هارفارد آلان ديرشوفيتز كان يتمتع بتأثير على أبناء العائلات الثرية، وأن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، كان من بين طلاب ديرشوفيتز.

وذكر المصدر السري، أنه خلص إلى قناعة بوجود صلة بين ديرشوفيتز والموساد الإسرائيلي، مدعيا أن ديرشوفيتز أبلغ المدعي العام السابق للمنطقة الجنوبية بولاية فلوريدا أليكس أكوستا، بأن "إبستين كانت لديه علاقات بأجهزة استخبارات أمريكية وأخرى تابعة لدول حليفة".

وأضاف أنه شهد اتصالات هاتفية بين ديرشوفيتز وإبستين، وأن الموساد الإسرائيلي تواصل بعد تلك الاتصالات مع ديرشوفيتز للحصول على معلومات.

كما قال المصدر، إن إبستين كان مقربا من رئيس وزراء الاحتلال السابق إيهود باراك، وأنه جرى إعداده خلال فترة ولايته (1999 ـ 2001) في سياق أنشطة مرتبطة بالاستخبارات، وأضاف أنه في ضوء هذه المعطيات، توصل إلى قناعة بأن إبستين كان عميلا موجها من قبل "الموساد".

أيضا ادعى أن "إسرائيل" مارست تأثيرا على ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، وأن صهره كوشنر لعب دورا حاسما في عمليات صنع القرار لدى ترامب.

وتتضمن الوثائق عددا من المحادثات بين إبستين وباراك، حيث وردت الإشارة إلى "الموساد" بمباحثات الطرفين في مناسبتين، وبحسب الوثائق، طلب إبستين من باراك في رسالة بريد إلكترونية إليه بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2018، أن "يوضح بشكر صريح بأنه لا يعمل لمصلحة الموساد".

وفي رسالة أخرى بتاريخ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، كتب إبستين لباراك: "هل طلب منك بويس المساعدة في العثور على عملاء موساد سابقين لإجراء تحقيقات قذرة؟ هذا الموضوع يتردد كثيرا في الصحافة". في المقابل، لم يتطرق باراك في رده إلى هذا الأمر، مكتفيا بطلب من إبستين الاتصال به.

ولاحقا للكشف عن مراسلات خاصة لإبستين تمتد لأكثر من عقد، تروي قصة علاقته الوثيقة مع الرئيس النافذ لإمبراطورية "موانئ دبي العالمية"، سلطان أحمد بن سليم، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائلات الحاكمة في الإمارات، جاء في الوثائق المنشورة، رسالة إلكترونية من سلطان أحمد بن سليم إلى جيفري إبستين تشير إلى تورط إبستين في اغتيال الموساد للقيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي. 

وتشير رسائل البريد الإلكتروني من يوليو 2011 إلى أن جيفري إبستين وشريكه جريج براون ناقشا استراتيجيات لابتزاز المسؤولين الليبيين والاستحواذ على ممتلكات الدولة تحت ستار المساعدة في إعادة إعمار البلاد، بمشاركة عناصر سابقة في MI6 والموساد، وذلك قبل أسابيع من الإطاحة بمعمر القذافي.

وخلال رسائل متعددة بين عامي 2012 و2018، ذُكرت أرض الصومال كفرصة استراتيجية وتجارية مرتبطة باستخراج المياه وامتيازات النفط وتأثير الإعلام والوصول للخليج. وفي إحدى الرسائل عام 2012، تطرق إبستين إلى فكرة إنشاء شركة مياه في أرض الصومال، مشيرًا إلى "احتياطيات ضخمة من المياه النظيفة غير المستغلة" قرب مدينة بربرة، واقترح أيضًا إنشاء مركز للأفلام والإعلام في أرض الصومال تحت اسم "استوديوهات سوماليوود". وفي عام 2013، أشار إلى امتيازات التنقيب عن النفط في أرض الصومال، مطالبًا بمبلغ 50 مليون دولار لتمويل ثلاثة مجالات تنقيب كبيرة تبلغ مساحتها حوالي 30 ألف كم مربع.

وتضمنت ملفات القضية أسماء كثير من الشخصيات العالمية البارزة مثل الأمير البريطاني أندرو، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، والحالي دونالد ترامب، وإيهود باراك، والمغني مايكل جاكسون، وحاكم ولاية نيو مكسيكو السابق بيل ريتشاردسون.

وفي نهاية المطاف، تحدّى الكونغرس محاولات ترامب منع نشر الوثائق وأقرّ قانونًا يُلزم وزارة العدل بنشر جميع ملفات إبستين. 

كما تُذكّر التفاصيل الجديدة بعلاقة الصداقة التي امتدت لعقود بين ترامب وإبستين، المدان بجرائم جنسية والذي توفي منتحرًا عام 2019، وكذلك بماكسويل، شريكة إبستين منذ زمن طويل، والتي تقبع حاليًا في السجن بتهمة الاتجار الجنسي.

وأظهر بحث في موقع وزارة العدل الخاص بملفات إبستين عن عبارة دونالد ترامب أكثر من 1,800 نتيجة، وهو رقم ارتفع خلال يوم الجمعة مع قيام موقع الوزارة على ما يبدو بفهرسة المزيد من الملفات. وكثير من تلك الإشارات عبارة عن مقالات إخبارية تذكر ترامب خلال رئاسته كان إبستين يشاركها مع آخرين، إضافة إلى تعليقاته عن ترامب مع مزيج من الصحفيين ومساعدين آخرين، مثل ستيف بانون.

وإحدى أكثر الوثائق إثارة للاهتمام المتعلقة بترامب كانت قائمة جمعها مسؤولون في الـFBI في أغسطس/آب الماضي تضم أكثر من اثني عشر ادعاءً مرتبطًا بترامب، ويبدو أن كثيرًا منها جاء من بلاغات من الجمهور.

وأُدرجت هذه الوثائق ضمن رسائل بريد إلكتروني أرسلها مسؤولون في مكتب الـFBI بنيويورك ضمن «فرقة مهام استغلال الأطفال والاتجار بالبشر». وكتب أحد المسؤولين موضحًا كيفية فرز الادعاءات: «التظليل الأصفر مخصّص للجزء الفاضح».

وتتضمن الوثيقة أيضًا ادعاءات غير موثّقة ضد الرئيس السابق بيل كلينتون، الذي نفى أي ارتكاب لمخالفات تتعلق بإبستين.

وقد خاض ترامب معركة شرسة لعرقلة إقرار القانون الذي بموجبه تم نشر الوثائق، وضغط شخصيًا على أعضاء جمهوريين في البيت الأبيض. لكنه جرى التفاف عليه بزخم دعم ثنائي الحزبين من المشرعين والرأي العام، وتخلى في النهاية عن معارضته. وأُقرّ المشروع بأغلبية ساحقة تقريبًا ووقّعه ترامب ليصبح قانونًا في نوفمبر/تشرين الثاني.

وكشفت الوثائق أن المدعين الفيدراليين جمعوا أدلة في عام 2020 تفيد بأن ترامب سافر على متن طائرة إبستين الخاصة عدة مرات في تسعينيات القرن الماضي. 

كما كشفت وثائق ديسمبر أن وزارة العدل استدعت نادي مار-آ-لاغو المملوك لترامب قبل محاكمة ماكسويل الجنائية عام 2021. ولا يزال غير واضح كيف ردّ النادي. لكن الوثيقة طلبت معلومات عن موظف سابق في مار-آ-لاغو.

كما تكشف الوثائق، عن اتهامات تفيد بأن ترامب كان يستضيف حفلات تُعرف باسم "Calendar Girls" في منتجعه مار-أ-لاغو، حيث كان إبستين يجلب أطفالاً قاصرين للتنافس عليهم جنسياً من قبل أصدقائه في مزاد علني.

وعزّز كثير من المواد الجديدة فهم الرأي العام لعلاقات إبستين مع طيف واسع من الشخصيات الديمقراطية والمشاهير ورجال الأعمال. كما أوضحت الملفات أن إبستين كان يتابع عن كثب التغطيات الإخبارية عن ترامب — وأنه كان على تواصل منتظم أكثر مما كان معروفًا سابقًا مع مستشار ترامب السابق ستيف بانون.

ومن بين ملايين الصفحات التي أُفرج عنها يوم الجمعة تفاصيل جديدة من مذكرات مقابلات الـFBI مع ضحايا إبستين.

كما تضمنت مذكرة أخرى للـFBI ملاحظات من مقابلة يُحتمل أنها أُجريت عام 2021 مع فيرجينيا جوفري، إحدى أبرز الناجيات من إبستين، التي توفيت منتحرة في أبريل/نيسان 2025. وتشير المذكرة، التي حُجب جزء منها، إلى أن جوفري أخبرت المحققين عن عملها وهي مراهقة في نادي مار-آ-لاغو التابع لترامب، وكيف جرى تجنيدها من هناك للعمل لدى إبستين، وعن الاعتداءات الجنسية التي تقول إنها تعرضت لها لاحقًا على يد إبستين.

كما تضمنت الملفات نموذجًا للـFBI يفصّل شكوى من امرأة اتهمت دونالد ترامب باغتصابها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها.

وهذه المُدّعية المجهولة، المعروفة باسم «جين دو»، كانت قد رفعت دعاوى قضائية ضد ترامب وأسقطتها، آخرها قبيل انتخابات 2016.

وتفصّل وثيقة الـFBI عدة وقائع زعمت فيها تعرضها للإساءة من ترامب، بما في ذلك الاغتصاب. كما تقول إن إبستين كان «غاضبًا لأن ترامب هو من سلب عذرية جين دو»، وزعمت أيضًا أن إبستين اغتصبها. وتعكس هذه الأوصاف الادعاءات نفسها التي قدمتها «جين دو» في دعواها عام 2016. وكان ترامب قد نفى سابقًا ادعاءات المرأة.

وعندما أُسقطت الدعوى عام 2016، أرسل إبستين عبر البريد الإلكتروني قصصًا عن هذا التطور إلى عدة شركاء، وقد أُدرجت ضمن الملفات التي أُفرج عنها يوم الجمعة. وهناك أيضًا رسائل بريد إلكتروني أعاد إبستين توجيهها إلى صديق ترامب توم باراك في أبريل/نيسان 2016 عندما تواصل مراسل من رويترز مع إبستين لطلب تعليق بعد رفع الدعوى. وكتب إبستين: «مجنون، لكن ظننت أنه ينبغي أن تعلموا».

إلى جانب مذكرات الـFBI، تحتوي وثائق إبستين على رسائل بريد إلكتروني متعددة تُظهر جانبًا من رؤية المدان بجرائم جنسية لصديقه السابق بعد انتخابه رئيسًا عام 2016. وتتضمن الرسائل مراسلات إبستين مع مجموعة من الشركاء، من صحفيين ومديرين تنفيذيين وغيرهم، مع الكثير من التعليقات عن ترامب.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، طلب إبستين من الصحفي والمؤلف مايكل وولف المساعدة في مواجهة قصة صحفية. وجاء تبادلهما بعد أيام قليلة من نشر «ميامي هيرالد» تحقيقًا معمقًا تضمن مقابلات مع عشرات النساء اللاتي قلن إنهن ضحايا اعتداءات إبستين. وكتب إبستين لوولف: «أفكر: ماذا سيفعل ترامب». وردّ وولف، الذي كان قد نشر ذلك العام كتابًا مثيرًا عن بيت ترامب الأبيض: «هو لا يحاول أبدًا الشرح. ينكر، يلوم الإعلام، ويُهين شخصًا آخر». وتابع وولف: «كلها عن دونالد ترامب، الشرير الحقيقي».

وهناك رسائل متعددة بين إبستين ولاري سامرز، وزير الخزانة الأمريكي السابق ورئيس جامعة هارفارد، تناقش حملة ترامب الرئاسية وولايته الأولى. وكان سامرز قد قال سابقًا لشبكة CNN إنه «يشعر بخزي عميق» من مراسلاته مع إبستين، وأخذ إجازة من التدريس في هارفارد في نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي وقت لاحق، حذفت وزارة العدل الأمريكية الوثيقة EFTA01660683 من إصدار ملف إبستين التي احتوت على ملفات ضد ترامب، دون أي تفسير رسمي. 

وألقي القبض على جيفري إبستين لأول مرة عام 2006، وأُدين بتهم رسمية بالاتجار بالجنس عام 2008، وذلك بعد صفقة إقرار بالذنب سرية مع المدعين الفيدراليين بقيادة أليكس أكوستا؛ الذي أصبح وزيراً للعمل في حكومة ترامب في ولايته الأولى (2017 ـ 2021). وحمته هذه الصفقة من الملاحقة القضائية بتهم فيدرالية أكثر خطورة لها علاقة بالتحرش الجنسي بالأطفال، وأطلق سراحه على غير العادة بعد 13 شهراً فقط. 

وفي 2019، ألقي القبض على جيفري إبستين مرة أخرى للتورط في الاتجار الجنسي بالأطفال القصر، قبل أن ترتبط وفاته في أغسطس/آب من العام نفسه بحالة من الغموض لغياب تسجيل الدقائق الأخيرة قبل الوفاة. ويؤكد كثيرون من أتباع ترامب أنه قُتل، فيما ذكرت التحقيقات الفيدرالية خلال فترة الرئيس السابق جو بايدن أنه مات منتحراً.